الذكاء الاصطناعي والأدب: (6) لمن يُنسب العمل في زمن الذكاء الاصطناعي؟ من المؤلف الفرد إلى الذكاء الموزّع

28 أبريل 202647 views مشاهدة
الذكاء الاصطناعي والأدب: (6) لمن يُنسب العمل في زمن الذكاء الاصطناعي؟ من المؤلف الفرد إلى الذكاء الموزّع

مدخل: سؤال قديم بلباس جديد

كلما ظهر وسيط تقني جديد في تاريخ الثقافة، عاد السؤال نفسه بصيغ مختلفة: هل ما نراه ما زال عملاً إنسانيًا؟ هل أفسدت التقنية أصالة التعبير؟ هل صار الكاتب أقل حضورًا لأن أداة ما صارت تتدخل في إنتاج النص أو الصورة أو الصوت؟ حدث ذلك مع الطباعة، ومع التصوير الفوتوغرافي، ومع السينما، ومع الحاسوب، ثم عاد اليوم بصورة أكثر حدّة مع الذكاء الاصطناعي التوليدي.

غير أن السؤال، في صيغته المتداولة اليوم، كثيرًا ما يُطرح بطريقة اختزالية: هل كتب الإنسان هذا النص أم كتبته الآلة؟ هل أنجز صاحب البودكاست هذا العمل فعلًا، أم اكتفى بالضغط على أزرار؟ هل ما نسمعه ونشاهده عمل نقدي حقيقي، أم مجرد صياغة احترافية أنتجتها الخوارزمية؟

تبدو هذه الأسئلة مشروعة في ظاهرها، لأنها تعبّر عن قلق حقيقي إزاء فيضان النصوص والصور والأصوات المصنعة آليًا. لكنها، في الوقت نفسه، قد تنطوي على تصور قديم للعمل الفكري، يفترض أن الإبداع أو التحليل أو الإنتاج الثقافي لا يكون حقيقيًا إلا إذا صدر عن فرد واحد، من اللحظة الأولى إلى النسخة النهائية، دون وسائط، ودون أدوات، ودون شبكات مساعدة. والحال أن هذا التصور لم يكن دقيقًا تمامًا حتى في الماضي، وصار اليوم أقل قدرة على فهم ما يجري في البيئة الرقمية.

فإنتاج نص نقدي، أو بودكاست فكري، أو مادة سمعية بصرية حول كتاب أو فكرة، لم يعد فعلًا خطيًا بسيطًا يبدأ من ذات منعزلة وينتهي عند منتَج مكتمل. إنه أقرب إلى ورشة متعددة المستويات: جمع للمواد، اختيار للمراجع، بناء للإشكال، توجيه للتحليل، مراجعة للصياغة، توليد للصوت، تصميم للصورة، تحرير للوصف، نشر على المنصات، ثم تفاعل مع الجمهور. في كل مرحلة من هذه المراحل توجد يد إنسانية، وأداة تقنية، ومعيار جمالي، واختيار معرفي، ومسؤولية تحريرية.

من هنا، لا يكفي أن نسأل: من كتب الجملة؟ بل ينبغي أن نسأل: من بنى الرؤية؟ من اختار السؤال؟ من رتّب المسار؟ من راجع، وحذف، وصحح، ومنح العناصر المتفرقة وحدة فكرية وجمالية؟

من موت المؤلف إلى إعادة توزيع التأليف

ليست مسألة زعزعة المؤلف جديدة تمامًا. فقد وجّه رولان بارت، في مقاله الشهير «موت المؤلف»، نقدًا جذريًا لفكرة المؤلف بوصفه مصدر المعنى النهائي، ورأى أن النص ليس صوتًا واحدًا صادرًا عن ذات متعالية، بل نسيج من كتابات متعددة وثقافات متداخلة. وقد أصبح هذا المقال، منذ أواخر ستينيات القرن العشرين، أحد النصوص المؤسسة في إعادة التفكير في علاقة المؤلف بالنص والقارئ والمعنى. (writing.upenn.edu)

ولم يكن ميشيل فوكو بعيدًا عن هذا الأفق حين طرح، في محاضرته «ما المؤلف؟»، مفهوم «وظيفة المؤلف» بدل التعامل مع المؤلف بوصفه شخصًا بيولوجيًا أو نفسيًا فحسب. فالمؤلف، عند فوكو، ليس مجرد اسم شخصي، بل وظيفة تنظيمية داخل الخطاب: بها تُصنّف النصوص، وتُضبط دلالاتها، وتُحدد مسؤولياتها، وتُرسم حدود تداولها داخل الثقافة. (The Open University)

غير أن الذكاء الاصطناعي لا يكرر سؤال بارت وفوكو كما هو، بل ينقله إلى مستوى جديد. لم يعد الأمر يتعلق فقط بتعدد مصادر النص أو بزحزحة سلطة المؤلف أمام القارئ، بل صار يتعلق بدخول فاعلين غير بشريين إلى سلسلة الإنتاج نفسها: نماذج لغوية، منصات صوتية، مولدات صور، برمجيات تحرير، خوارزميات توصية، وأنظمة نشر وتوزيع. وهنا لا يموت المؤلف بالمعنى القديم، بل يعاد توزيعه داخل شبكة من الأفعال والوسائط والقرارات.

بهذا المعنى، لم تعد «المؤلفية» ملكية فردية صافية، بل أصبحت وظيفة مركبة. فصاحب العمل لا يكون حاضرًا فقط في الجملة التي كتبها بيده، بل في السؤال الذي اختاره، وفي المادة التي جمعها، وفي الطريقة التي وجّه بها الآلة، وفي حكمه على النتيجة، وفي قراره بما يُقبل وما يُستبعد. إن المؤلف هنا لا يختفي، بل يتحول من كاتب منفرد إلى مدير ورشة معرفية وجمالية.

العمل الفكري بوصفه ورشة لا ضغطة زر

يُخطئ من يختزل استعمال الذكاء الاصطناعي في صورة شخص يضغط زرًا فتخرج له مقالة أو حلقة أو بودكاست جاهز. قد يحدث هذا طبعًا في مستويات فقيرة من الإنتاج، حيث يُطلب من الآلة أن تصنع كل شيء دون رؤية أو مراجعة. لكن هذا لا يصف كل استعمال للذكاء الاصطناعي، ولا يصف خصوصًا الاستعمال النقدي الواعي له.

فالعمل الجاد يبدأ قبل اللجوء إلى الأداة. يبدأ من اختيار الكتاب أو القضية أو السؤال: لماذا هذا الموضوع الآن؟ ما علاقته بسياق ثقافي أوسع؟ ما الذي ينبغي أن يضاء فيه؟ ما الذي يجب تجنبه؟ أي زاوية قراءة نختار؟ هل نعرض الكتاب عرضًا تلخيصيًا؟ أم نحوله إلى سؤال؟ أم نضعه في مواجهة كتاب آخر أو تصور آخر؟

بعد ذلك تأتي مرحلة البناء: ترتيب الأفكار، تحديد المحاور، وصل المفاهيم، تبسيط المعقد دون تسطيحه، وتوجيه النص نحو جمهور محدد. ثم تأتي مرحلة المراجعة، وهي أكثر أهمية مما يظن كثيرون: حذف التكرار، ضبط المصطلحات، تصحيح الانزلاقات، مقاومة العبارات العامة، إصلاح الإحالات، وتهذيب النبرة حتى لا تسقط في الوعظ أو الادعاء أو الغموض المجاني.

في هذه السلسلة من العمليات، يكون الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنه ليس عقلًا بديلًا عن صاحب المشروع. إنه لا يعرف وحده لماذا يُختار هذا الكتاب دون غيره، ولا ما علاقة حلقة معينة بما سبقها أو بما سيليها، ولا ما يناسب هوية قناة أو موقع أو سلسلة مقالات. إنه يقترح، يرتب، يصوغ، يختصر، يوسع، لكنه لا يملك، بذاته، مشروعًا ثقافيًا.

لذلك، فإن السؤال الأجدر ليس: هل تدخلت الآلة؟ بل: ما طبيعة هذا التدخل؟ هل استُعملت الأداة لتوليد كلام جاهز بلا مراجعة؟ أم استُعملت داخل ورشة موجهة بقراءة، ومعرفة، وحس نقدي، ومسؤولية تحريرية؟

الذكاء الموزّع: من الفرد إلى الشبكة

تساعدنا بعض نظريات الثقافة الرقمية على تجاوز الفهم الفرداني الضيق للعمل الفكري. فقد تحدث هنري جنكنز، في سياق الثقافة التشاركية وتقارب الوسائط، عن الذكاء الجمعي بوصفه قدرة موزعة: لا أحد يعرف كل شيء، لكن كل فرد يعرف شيئًا، ويمكن للمعرفة أن تتشكل من تجميع الموارد والمهارات داخل شبكة أوسع. (DHI)

وإذا نقلنا هذه الفكرة إلى إنتاج البودكاستات والمقالات النقدية اليوم، وجدنا أن العمل لم يعد قائمًا على ذات واحدة منعزلة، بل على تركيب معقد بين الإنسان والأدوات. هناك من يقرأ، ومن يجمع، ومن يصوغ السؤال، ومن يوجه النموذج، ومن يراجع المخرجات، ومن ينتج الصوت، ومن يصمم الصورة، ومن يختبر العنوان، ومن يكتب الوصف، ومن ينشر. بل إن الشركات التي تطور النماذج، والمنصات التي تستضيف المحتوى، والجمهور الذي يتفاعل معه، يدخلون جميعًا، بدرجات مختلفة، في تشكيل حياة العمل الثقافي.

لا يعني هذا إلغاء المسؤولية الفردية. على العكس، كلما صار العمل أكثر توزيعًا، ازدادت الحاجة إلى مركز توجيه مسؤول. فالذكاء الموزع لا يعني أن لا أحد مسؤول، بل يعني أن المسؤولية لم تعد مطابقة لفعل الكتابة اليدوية وحده. صاحب المشروع مسؤول لأنه هو من يختار، ويراقب، ويصادق، ويوقع، ويقبل أن يُنسب إليه العمل في صورته النهائية.

هنا تتغير صورة المثقف أو الكاتب أو المنتج الثقافي. لم يعد مجرد شخص يكتب من الصفحة البيضاء إلى الصفحة الأخيرة، بل صار منسقًا لشبكة: يشتغل داخل بيئة أدوات، ويعرف كيف يستخرج منها إمكاناتها، وكيف يقاوم عيوبها، وكيف يحول المخرجات المتفرقة إلى عمل له معنى.

الأداة لا تفكر بدل الإنسان، لكنها تغير شروط التفكير

من الخطأ أن نقول إن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة محايدة لا تغير شيئًا في طبيعة الكتابة أو التفكير. الأدوات لا تعمل من خارج الثقافة، بل تعيد تشكيل طرائقنا في الرؤية والتنظيم والتعبير. وقد شددت كاثرين هايلز، في سياق دراساتها حول الوسائط الرقمية، على فكرة التكوّن المشترك بين الإنسان والتقنية، أي أن الإنسان لا يستعمل التقنية فقط، بل يتغير معها، كما تتغير هي وفق استعمالاته وحاجاته. (Dms484)

لكن الاعتراف بتأثير الأداة لا يعني تحويلها إلى ذات خالقة مكتفية بنفسها. فالآلة لا تفكر في الفراغ، ولا تبدأ من قلق ثقافي أو تجربة قراءة أو مشروع نقدي. هي تشتغل انطلاقًا من توجيهات، وسياقات، وطلبات، ومعايير يضعها الإنسان أو يضمرها النظام التقني الذي صُممت داخله. من هنا تبدو العلاقة بين الإنسان والآلة علاقة إعادة تشكيل متبادلة: الإنسان يطلب، والآلة تقترح؛ الإنسان يراجع، والآلة تعيد الصياغة؛ الإنسان يختار، والآلة توسع؛ الإنسان يحذف، والآلة تولد بدائل.

هذا الوضع لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه فضيحة، بل بوصفه تحولًا في شروط العمل الثقافي. فالكتابة نفسها لم تكن يومًا بريئة من الأدوات: القلم، الورق، الآلة الكاتبة، الحاسوب، المعجم، برامج التصحيح، محركات البحث، قواعد البيانات، برامج المونتاج. الفرق أن الذكاء الاصطناعي يذهب أبعد من الأدوات السابقة، لأنه لا يساعد فقط في الحفظ أو النسخ أو الترتيب، بل يشارك في الاقتراح والصياغة والمحاكاة. ولهذا يثير قلقًا أكبر.

لكن هذا القلق لا ينبغي أن يدفعنا إلى نفي الأداة ولا إلى تقديسها. المطلوب هو بناء أخلاقيات استعمال: الإفصاح حين يلزم، المراجعة الدقيقة، تجنب الادعاء، الحفاظ على المسؤولية الفكرية، وعدم تمرير مخرجات الآلة كما لو كانت معرفة نهائية.

من «الأصالة» إلى «المسؤولية»

كثير من النقاشات حول الذكاء الاصطناعي ما زالت أسيرة سؤال الأصالة: هل النص أصيل؟ هل الصورة أصلية؟ هل الصوت أصلي؟ غير أن الأصالة نفسها مفهوم يحتاج إلى مراجعة. فالنصوص لا تأتي من العدم، كما ذكّر بارت حين تحدث عن النص بوصفه نسيجًا من اقتباسات وكتابات وثقافات متعددة. (University of Minnesota Duluth)

في المجال النقدي والفكري، قد يكون سؤال المسؤولية أهم من سؤال الأصالة بمعناه الرومانسي. فالقضية ليست دائمًا: هل جاءت كل جملة من ذات الكاتب وحدها؟ بل: هل يتحمل صاحب العمل ما يقوله؟ هل راجع ما نشره؟ هل يملك رؤية وراء الاختيارات؟ هل يعي حدود الأداة التي استعملها؟ هل يميز بين التلخيص والتحليل، بين المعرفة والإنشاء، بين الصياغة والفكرة؟

يمكن لشخص أن يكتب نصًا كاملًا بيده، ومع ذلك يكون النص خاليًا من أي اجتهاد حقيقي، مجرد إعادة تدوير محفوظات جاهزة. ويمكن لشخص آخر أن يستعمل أدوات رقمية وذكاءً اصطناعيًا، ومع ذلك ينتج عملاً ذا قيمة، لأنه يوجه الأداة بأسئلة دقيقة، ويراجع مخرجاتها، ويضعها ضمن مشروع فكري متماسك.

هنا تصبح القيمة في نوع الحضور الإنساني، لا في الوسيلة وحدها. حضور الإنسان لا يقاس بعدد الكلمات التي كتبها مباشرة، بل بدرجة الاختيار، والرؤية، والتمييز، والمراجعة، والمسؤولية. بهذا المعنى، قد تكون المؤلفية في زمن الذكاء الاصطناعي أقل رومانسية، لكنها أكثر تعقيدًا ووعيًا بشروط الإنتاج.

البودكاست النقدي نموذجًا للعمل المركب

إذا أخذنا البودكاست النقدي مثالًا، ظهر لنا بوضوح أن العمل لا يختزل في نص يُكتب ثم يُقرأ. فالحلقة الجيدة تبدأ غالبًا من تراكم سابق: مكتبة، قراءات، اهتمام طويل بموضوع، معرفة بسياقات الكتب والمؤلفين، وإحساس بما يمكن أن يهم الجمهور دون النزول إلى التبسيط المخل.

بعد ذلك تأتي صياغة السؤال. وهذا عنصر حاسم. فالفرق كبير بين أن نقول: «عرض كتاب» وأن نسأل: «هل غيّر هذا الكتاب فهمنا للأدب؟» أو «هل انتهى نموذج المؤلف؟» أو «كيف تعيد التقنية تشكيل القراءة؟». السؤال ليس زينة عنوانية، بل هو الجهاز الذي ينظم الحلقة كلها. ومن يملك السؤال يملك جزءًا كبيرًا من العمل.

ثم تأتي مرحلة تحويل المادة إلى بنية مسموعة: مقدمة، انتقالات، مفاصل، أمثلة، خاتمة، نبرة، إيقاع. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي في هذه المراحل، لكنه لا يقرر وحده ما النبرة الأنسب، ولا ما الحذف الضروري، ولا ما الذي ينبغي تأجيله لمقال آخر أو حلقة أخرى. كما أن توليد الصوت والصورة والوصف والوسوم ليس مجرد عمل تقني ثانوي، بل يدخل في سياسة تداول المعرفة: كيف يصل العمل إلى جمهوره؟ بأي لغة بصرية؟ بأي عنوان؟ بأي وعد معرفي؟

لذلك، حين يسأل شخص: أين صاحب العمل في هذه البودكاستات؟ يمكن أن يكون الجواب: إنه ليس في كل كلمة وحدها، بل في الشبكة التي جعلت هذه الكلمات ممكنة. إنه في اختيار الكتب، وفي ترتيب الأسئلة، وفي توجيه التحليل، وفي مقاومة المخرجات الضعيفة، وفي مراجعة اللغة، وفي بناء هوية السلسلة، وفي تحمل مسؤولية نشرها باسمه أو تحت مظلة مشروعه.

الفاعلون غير البشريين: ماذا تضيف نظرية الشبكات؟

تسمح لنا نظرية الفاعل-الشبكة، كما صاغها برونو لاتور، بأن ننظر إلى العمل الثقافي لا بوصفه نتاج نية فردية فقط، بل بوصفه نتيجة علاقات بين فاعلين بشريين وغير بشريين. فلاتور يدعو إلى تتبع الروابط والجمعيات التي تجعل الظاهرة ممكنة، بدل افتراض أن «الاجتماعي» شيء جاهز يفسر كل شيء من الخارج. (OUP Academic)

هذا المنظور مفيد جدًا في فهم الذكاء الاصطناعي. فالعمل الناتج ليس من صنع الإنسان وحده بمعنى ضيق، ولا من صنع الآلة وحدها بمعنى ساذج. إنه نتيجة شبكة: كتب، ملفات، نماذج لغوية، تعليمات، واجهات، برامج، أصوات اصطناعية، صور، منصات نشر، خوارزميات اقتراح، ذائقة جمهور، ومراجعة بشرية. كل عنصر يترك أثرًا في النتيجة النهائية.

الثقافة الرقمية وتحوّل الوسيط

لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحول الأوسع في الوسائط. فقد بيّن ليف مانوفيتش، في دراساته عن لغة الوسائط الجديدة، أن الثقافة الرقمية لا تغير فقط أدوات الإنتاج، بل تغير منطق الوسيط نفسه: الواجهة، قاعدة البيانات، البرمجية، قابلية التعديل، وإعادة التركيب. (dss-edit.com)

في هذا السياق، يصبح البودكاست أو المقال أو الصورة جزءًا من بيئة قابلة للتحويل المستمر: التفريغ يتحول إلى مقال، والمقال يتحول إلى حلقة، والحلقة تتحول إلى منشور، والمنشور يقود إلى نقاش، والنقاش يولد مقالًا جديدًا. لم يعد العمل الثقافي كتلة نهائية مغلقة، بل صار كائنًا وسائطيًا متحركًا.

وهذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي حين يدخل إلى ورشة الإنتاج: لا يكتفي بأن «ينشئ» شيئًا من الصفر، بل يساعد على التحويل بين صيغ متعددة. نص إلى صوت، صوت إلى تفريغ، تفريغ إلى مقال، مقال إلى وصف، وصف إلى منشور، فكرة إلى صورة. هنا لا تكون القيمة في التوليد الخام وحده، بل في هندسة الانتقال بين الوسائط.

من ثم، يصبح المنتج الثقافي المعاصر أقرب إلى محرر عابر للوسائط: لا يكتب فقط، بل ينسق انتقال الفكرة بين المقال والبودكاست والصورة والمنصة. وهذا لا ينقص من قيمة العمل، بل يغير طبيعة المهارة المطلوبة لإنجازه.

ضد الرومانسية الكسولة وضد التقنية العمياء

ينبغي الحذر من موقفين متقابلين: رومانسية كسولة ترفض كل تدخل تقني باسم «الأصالة»، وتقنية عمياء تظن أن الأداة قادرة وحدها على تعويض القراءة والخبرة والذوق.

الموقف الأول ينسى أن الثقافة، منذ بداياتها، كانت دائمًا تقنية: الكتابة نفسها تقنية، والكتاب تقنية، والمطبعة تقنية، والأرشيف تقنية، والمكتبة تقنية. أما الموقف الثاني فينسى أن الأدوات لا تمنح مشروعًا لمن لا مشروع له، ولا تصنع رؤية لمن لا سؤال لديه.

الطريق الأجدى هو الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي أداة قوية داخل ورشة أوسع، لكنه يحتاج إلى عقل يوجهه، وذائقة تضبطه، وأخلاق تحده. إنه يضاعف قدرة الإنسان على الاشتغال، لكنه يضاعف أيضًا احتمال الرداءة إذا استُعمل بلا معرفة. يستطيع أن ينتج نصًا مرتبًا، لكنه لا يضمن أن يكون النص مهمًا. يستطيع أن يصوغ عبارات أنيقة، لكنه لا يعرف وحده ما الذي يستحق أن يُقال.

وهنا تكمن المفارقة: الذكاء الاصطناعي قد يجعل الإنتاج أسهل، لكنه يجعل التمييز أصعب. لذلك ستزداد قيمة المحرر، والقارئ الخبير، وصاحب الرؤية. في عالم يستطيع فيه الجميع إنتاج نصوص جميلة السطح، سيصبح السؤال الحقيقي: من يملك معيارًا؟ من يعرف ماذا يريد؟ من يستطيع أن يقول لا لمخرجات براقة لكنها فارغة؟

خاتمة: أين الإنسان؟

ليس الإنسان غائبًا عن الأعمال المنتجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي بالضرورة. لكنه قد يكون حاضرًا أو غائبًا بحسب طريقة الاستعمال. يغيب حين يتخلى عن السؤال، ويتنازل عن المراجعة، ويمرر المخرجات كما جاءت. ويحضر حين يختار، ويوجه، ويصحح، ويحذف، ويعيد البناء، ويضع العمل داخل أفق فكري واضح.

لذلك، ليس السؤال الحاسم: هل استُعمل الذكاء الاصطناعي؟ فهذا سؤال سيصبح، مع الوقت، أقل دلالة. السؤال الأهم هو: كيف استُعمل؟ داخل أي مشروع؟ وبأي درجة من الوعي والمسؤولية؟ هل كان بديلًا عن التفكير، أم وسيلة لتوسيعه؟ هل أنتج وفرة لفظية، أم ساعد على تنظيم معرفة؟ هل أخفى الإنسان، أم كشف عن شكل جديد من حضوره؟

في زمن الذكاء الاصطناعي، لن يكون الإبداع ولا العمل الفكري في رفض الأزرار، ولا في الضغط عليها فقط، بل في معرفة ما نطلبه منها، ولماذا نطلبه، وكيف نراجع ما تعيده إلينا، وما الذي نقرر في النهاية أن ننسبه إلى أنفسنا بوصفه موقفًا ورؤية ومسؤولية.

بهذا المعنى، لا ينتهي المؤلف، بل يتغير موقعه. لم يعد بالضرورة ذلك الفرد المنعزل الذي يكتب كل شيء من الصفر، بل صار منسقًا لذكاء موزع، ومهندسًا لورشة متعددة الأدوات، وحارسًا للمعنى وسط فيضان المخرجات. أما العمل الحقيقي فلا يُقاس بعدد الجمل التي كتبتها اليد وحدها، بل بقدرة صاحبه على تحويل الأدوات والمواد والاقتراحات إلى بناء فكري له اتجاه، وله أثر، وله مسؤولية.

المراجع

بارت، رولان. «موت المؤلف». ضمن: Image, Music, Text. 1977. النص الأصلي ظهر أولًا سنة 1967.

فوكو، ميشيل. «ما المؤلف؟». محاضرة ألقيت سنة 1969، ونُشرت لاحقًا ضمن أعماله ومقالاته.

Hayles, N. Katherine. How We Think: Digital Media and Contemporary Technogenesis. University of Chicago Press, 2012.

Jenkins, Henry. Convergence Culture: Where Old and New Media Collide. New York University Press, 2006.

Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory. Oxford University Press, 2005.

Manovich, Lev. The Language of New Media. MIT Press, 2001.

Suchman, Lucy. Human-Machine Reconfigurations: Plans and Situated Actions. Cambridge University Press, 2007.

Floridi, Luciano. The Fourth Revolution: How the Infosphere Is Reshaping Human Reality. Oxford University Press, 2014.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة