هجرة الأساطير الأدبية من الورق إلى الشاشة: الإنسانيات الرقمية بين تسليع الأدب وإمكان الولادة الجديدة

منذ 3 ساعات32 views مشاهدة
هجرة الأساطير الأدبية من الورق إلى الشاشة: الإنسانيات الرقمية بين تسليع الأدب وإمكان الولادة الجديدة

مقدمة

لم يعد سؤال الأدب اليوم مرتبطًا بالكتاب الورقي وحده، ولا بمؤسساته التقليدية فحسب، بل بات يتصل أيضًا بمسارات انتقاله وتحولاته داخل الوسائط البصرية والرقمية، لأن التحول الرقمي لم يمسّ فقط طرائق إنتاج النصوص وتداولها، بل أصاب أيضا موقع الأدب نفسه داخل الثقافة المعاصرة. ومن هنا يفرض نفسه سؤال أساسي: هل يعني تراجع السلطة الرمزية للأدب الورقي أفولَ الأساطير التي حملها وأعاد إنتاجها عبر القرون، أم أن هذه الأساطير لم تختفِ، بل غيّرت وسيطها وأشكال حضورها؟

تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن ما يبدو، لأول وهلة، موتًا للأدب، ليس في حقيقته إلا تحولًا في أنماط بقائه. فالأدب لا يستنفد وجوده في مادته الورقية، ولا في هيبته المدرسية أو المؤسسية، بل يواصل الحياة من خلال بنياته السردية العميقة وصوره الكبرى وأنماطه الأسطورية القابلة للهجرة من وسيط إلى آخر. بهذا المعنى، لا تموت الأساطير الأدبية حين تغادر الكتاب، بل تدخل طورًا جديدًا من الوجود داخل السينما، والمسلسلات، وألعاب الفيديو، والخيال العلمي، وسائر أشكال الثقافة البصرية والرقمية. وما يبدو تراجعًا في “القيمة الاعتبارية” للأدب قد يكون، من زاوية أخرى، إعادة توزع لوظائفه التخيلية داخل المجال الثقافي المعاصر.

الأسطورة بوصفها بنية مهاجرة

تفترض هذه المقاربة أن الأسطورة ليست مضمونًا ثابتًا محفوظًا في المتون الكلاسيكية، بل بنية دينامية قابلة للهجرة والتحول. ومن هذه الزاوية، تصبح الأعمال الأدبية الكبرى أقل أهمية من حيث شكلها المادي مما هي مهمة من حيث قدرتها على توليد صور ومواقف ونماذج سردية تتجاوز زمنها ووسيطها. ولذلك، فانتقال الأسطورة من الكتاب إلى الشاشة لا يعني اختفاءها، بل يدل على استمرار فاعليتها التخيلية ضمن شروط تاريخية وتقنية جديدة. وقد أكد هذه الفكرة كتابُ «الأساطير الكبرى في الأدب»(1) حين ربطت مؤلفته بين تراجع القيمة الاعتبارية للأدب الورقي وبين “هجرة” أساطيره وجيناته نحو الثقافة البصرية المعاصرة.

في هذا الأفق، لا يعود الأدب مجرد شكل من أشكال الكتابة الرفيعة المرتبطة بعصر المطبوع، بل يصبح خزانًا تخييليًا طويل الأمد، تستعيده الوسائط الجديدة وتعيد تشكيله بحسب حاجاتها ورهاناتها. ومن ثم، فإن العلاقة بين الأدب والرقمي لا ينبغي أن تُفهم بوصفها علاقة قطيعة، بل باعتبارها علاقة انتقال وإعادة تموضع. إن كثيرًا من الشخصيات والأنماط والأسئلة التي نراها اليوم في الثقافة الرقمية ليست إلا امتدادات حديثة لبنى أسطورية أقدم، تغيرت لغتها ولم يتلاشَ جوهرها.

الميثاغوس والانتقال من الذاكرة إلى التجسد

يكتسب مفهوم الميثاغوس Mythagos أهمية خاصة في فهم هذه الهجرة. وقد استعارته ناتالي دوفاييت هذا المفهوم من الروائي الإنجليزي روبرت هولدستوك Robert Holdstock لشرح كيفية تفاعل الذاكرة الجماعية مع الخيال من أجل إنتاج تجسدات حية للأساطير القديمة خارج دفتي الكتاب. بهذا المعنى، لا يعود الميثاغوس مجرد عنصر ينتمي إلى عالم روائي مخصوص، بل يصبح أداة لتفسير آليات استمرار الأسطورة بعد انتقالها من فضاء القراءة إلى فضاء التجسد البصري والسردي.

إذا كانت “الغابة” عند هولدستوك تمثل في روايته «غابة الميثاغوسات» فضاء تراكم الخيال الإنساني، فإن الشاشات والمنصات والواجهات الرقمية قد صارت اليوم تقوم بوظيفة مماثلة. فهي تستقبل هذا التفاعل بين الذاكرة والخيال، وتعيد بعث الأسطورة في صور جديدة: شخصيات اصطناعية، كيانات هجينة، آلات واعية، وعوالم سردية تتجاوز الفصل التقليدي بين الإنساني وغير الإنساني. بهذا المعنى، لا يُعاد إنتاج الأسطورة على نحو زخرفي أو سطحي، بل يجري توليدها من جديد داخل بيئة ثقافية مغايرة، بما يسمح لها بمواصلة الحياة تحت أشكال جديدة.

من بجماليون إلى فرانكنشتاين، أو تاريخ الخلق الاصطناعي

يظهر هذا التحول بوضوح حين نتتبع سلسلة أساطير الخلق الاصطناعي. فمن النحات بجماليون Pygmalion الذي أحب تمثاله قبل أن تتدخل الآلهة فتنفخ فيه الحياة، إلى الغُولم Golem الذي تحركه الكلمة، وصولًا إلى فرانكنشتاين الذي يبعثه العلم والكهرباء، يتضح أن المتخيل الإنساني ظل منشغلًا، عبر العصور، بفكرة إنتاج حياة من المادة الصماء. والاختلاف بين هذه المحطات لا يتعلق بموضوعها الأساس، بل باللغة الحضارية التي يُصاغ بها: من المعجزة الإلهية، إلى الفعل السحري، إلى التجربة العلمية.

وفي زمننا، تؤدي الخوارزمية وظيفة جديدة داخل هذا التاريخ الطويل. فإذا كانت الحروف القبَّالية تحرك الغولَم وكانت الكهرباء تبعث مخلوق فرانكنشتاين، فإن الكود البرمجي والخوارزمية يغدوان اليوم اللغة التي تمنح الفاعلية للكائنات الاصطناعية في المتخيل المعاصر. وبهذا المعنى، لا تبدو البرمجة مجرد أداة تقنية، بل تظهر، رمزيًا، بوصفها الصيغة المعاصرة للكلمة السحرية. ومن هنا أيضًا يمكن فهم الحضور الكثيف للروبوتات والسايبورغات والذكاءات الاصطناعية في الأدب والسينما وألعاب الفيديو، ليس باعتبارها مجرد موضوعات تقنية، بل بوصفها الامتداد الحديث لأساطير الخلق والتمرد والوعي.

بقاء السؤال الوجودي تحت القشرة التقنية

قد يُخيّل أن الانتقال من الشخصيات الأسطورية القديمة إلى الكائنات الاصطناعية المعاصرة يمثل انتصارًا للمادي والتقني على الروحي والوجودي، غير أن هذا التصور لا يصمد أمام التمحيص؛ فالكائنات الاصطناعية في السرد الحديث لا تُبنى في الغالب من أجل الاستعراض التقني، بل لكي تحمل القلق الإنساني نفسه في لغة جديدة. إنها تسأل عن الذاكرة، والمعنى، والألم، والموت، والحرية، والوعي، ومعنى أن يكون الكائن ذاتًا داخل عالم لا يضمن له المعنى سلفًا.

من هنا، فـ “الروحانية” لا تختفي من الأدب الحديث، بل تتخذ شكلًا مختلفًا. فالآلة الواعية في كثير من الأعمال المعاصرة ليست أقل تراجيدية من البطل الأسطوري القديم، لأنها تعود، من داخل السيليكون والأسلاك، إلى السؤال ذاته: ما معنى أن يكون الكائن حيًا؟ وما الذي يجعل الوعي أكثر من مجرد وظيفة؟ بهذا المعنى، لا تعني هجرة الأسطورة إلى الرقمي فقدان العمق الأدبي، بل قد تعني إعادة صياغته في قوالب جديدة تستجيب لقلق العصر.

رولان بارت أو الوجه الاستهلاكي لهجرة الأسطورة

غير أن هذه الهجرة لا تجري في فضاء بريء. فالكتاب الذي بين أيدينا يتوقف عند الجانب المظلم من انتقال الأسطورة إلى الثقافة الجماهيرية، أي عند تسليع الأدب وابتذال الأسطورة. وفي هذا السياق، يكتسب رولان بارت أهمية مركزية، لأن تحليله لآليات مجتمع الاستهلاك يوضح كيف تُنتزع الأسطورة من تاريخها وتعقيدها لتُعاد صياغتها في هيئة رسالة مباشرة، أو صورة مبسطة، أو كليشيه جاهز للتداول والاستهلاك.

وهذا ما توضحه الأمثلة التي ركزت عليها المؤلفة بوضوح. فـهرقل، الذي كان في الميثولوجيا القديمة شخصية مأساوية تعاني اللعنة والجريمة والبحث المؤلم عن التكفير، يتحول في الثقافة الاستهلاكية إلى صورة مسطحة للقوة الجسدية. وميديا، بما تمثله من تعقيد نفسي وسياسي وأخلاقي، تختزل إلى نموذج جاهز لـ”الأم القاتلة”. ودون جوان، الذي حمل في صيغته الأدبية أبعادًا فلسفية وإشكالية عميقة، يتحول إلى مجرد قناع خفيف للرجل المغامر. في هذه الحالات كلها، لا نكون أمام استمرار حي للأسطورة، بل أمام إعادة تدوير تجاري لها بعد نزع شحنتها التراجيدية والإنسانية.

هنا تحديدًا يمكن فهم الصلة بين هذا المسار وبين ما يسميه ويليام ماركس كراهية الأدب La haine de la littérature.  فالثقافة الاستهلاكية لا تعادي الأدب من حيث هو اسم نبيل أو مرجع ثقافي، لكنها تعادي ما فيه من تعقيد وغموض وتناقض وفروق دقيقة، لأنها تفضل الشخصيات السهلة والرسائل المباشرة والتمثيلات القابلة للتسويق. وإذا كان الأدب يربك، فإن السوق تبسط؛ وإذا كانت الأسطورة في أصلها مجالًا للتأويل المفتوح، فإن الصناعة الثقافية تميل إلى تحويلها إلى دلالة جاهزة ومغلقة.

النقد الأسطوري النسوي واستعادة المعنى

إذا كان الخطر الأول الذي يهدد الأسطورة في العصر الرقمي هو التسليع، فإن الخطر الثاني يتمثل في إعادة إنتاج التحيزات القديمة داخل الأشكال الجديدة. ولهذا السبب منحت ناتالي دوفاييت أهمية خاصة لـالنقد الأسطوري النسوي بوصفه أداة مقاومة لا غنى عنها. فإعادة حياة الأسطورة لا تكفي في ذاتها ما لم تقترن بعمل نقدي يفضح ما تراكم فيها من تشويهات ذكورية وإقصاءات رمزية.

وفي هذا السياق، تصبح إعادة قراءة شخصيات مثل الأمازونيات وميدوزا والساحرات فعلًا نقديًا مزدوجًا: فهو يكشف الوظيفة الإيديولوجية للصور القديمة التي شيطنت هذه الشخصيات أو حوّلتها إلى موضوع خوف وترهيب، وهو في الآن نفسه يعيد إدراجها في أفق جديد بوصفها شخصيات تعرضت لتأويل منحاز. ومن ثم، فإن الدفاع عن الأدب لا يعني فقط مقاومة اختزال الأسطورة في كليشيهات السوق، بل يقتضي أيضًا تحريرها من القراءات التي كرست التفاوت والهيمنة والظلم الرمزي.

هكذا تظهر إعادة القراءة بوصفها شرطًا من شروط الولادة الجديدة للأسطورة. فهي لا تستهدف الهدم أو الإلغاء، بل استعادة التعقيد الإنساني للشخصيات، وإعادة وصلها بتاريخها المتعدد لا بتاريخ التأويل المهيمن وحده. وبهذا المعنى، لا تبدو القراءة النقدية تمرينًا أكاديميًا معزولًا، بل تصبح فعلًا ثقافيًا يعيد للأسطورة قدرتها على مساءلة المجتمع بدل أن تكون أداة لتكريس أحكامه المسبقة.

خاتمة

في ضوء ما تقدم، لا يبدو أن السؤال المناسب هو ما إذا كانت الأساطير قد ماتت، بل كيف تواصل حياتها، وفي أي شروط، وبأي كلفة رمزية. فالأسطورة الأدبية لم تعد محصورة داخل الكتاب، لكنها لم تفقد، لذلك، قدرتها على البقاء. لقد دخلت في مسار هجرة معقد، اتخذت فيه أشكالًا جديدة، من السرد المرئي إلى الخيال العلمي إلى الفضاءات الخوارزمية. غير أن هذا الانتقال نفسه جعلها عرضة لمسارين متعارضين: مسار يفتح إمكان ولادة جديدة للأدب داخل الوسائط المعاصرة، ومسار يحولها إلى سلعة رمزية فاقدة للتعقيد.

من هنا، فإن الرهان الحقيقي للإنسانيات الرقمية لا يتمثل في مجرد مواكبة التحول التقني، بل في بناء وعي نقدي قادر على تمييز أشكال الاستمرار العميق للأسطورة من أشكال اختزالها الاستهلاكي. وإذا كانت الخوارزميات ستغدو أكثر فأكثر شريكًا في إنتاج السرد والتمثيل، فإن السؤال الحاسم لن يكون تقنيًا فقط، بل ثقافيًا وأخلاقيًا أيضًا: أيُّ أساطير نغذي بها هذا العالم الجديد؟ وأيُّ صور للإنسان، وللآخر، وللمعنى، نسمح لها بأن تستمر عبره؟ هكذا فقط يمكن الانتقال من رثاء الأدب إلى التفكير في شروط ولادته الجديدة.


(1) Dufayet Nathalie, Les grands mythes en littérature, Ellipses, 2026, (480 pages)

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة