ثقافة رقمية

تقديم كتاب بيتر سلوتردايك “قواعد للحديقة البشرية”

من مجتمع القراءة إلى أفق الاصطفاء عند بيتر سلوتردايك

يتيح نص بيتر سلوتردايك «قواعد للحديقة البشرية» إمكان إعادة النظر في التصور الكلاسيكي للنزعة الإنسانية، لا بوصفها تقليدًا أخلاقيًا أو ثقافيًا فحسب، بل باعتبارها جهازًا تاريخيًا لتشكيل الإنسان. فالفرضية المركزية التي يستثمرها سلوتردايك تقوم على أن اللغة والقراءة لم تؤديا دورًا معرفيًا محضًا، بل اضطلعتا، عبر التاريخ الأوروبي، بوظيفة أنثروبوتقنية دقيقة: أي إنتاج أنماط من الذوات القابلة للتهذيب والانضباط والإدماج داخل فضاءات سياسية واجتماعية منظمة.

1. القراءة كتخاطب عن بعد

ضمن هذا الأفق، يقرأ سلوتردايك النزعة الإنسانية باعتبارها شكلًا من التخاطب عن بعد. فالنصوص ليست مجرد حاملات للمعنى، بل رسائل ممتدة زمنيًا، تسمح بتكوين صلات بين مؤلفين وقراء لا تجمعهم المعاصرة. ومن هنا تتأسس “مجتمعات القراءة” بوصفها جماعات رمزية تُنتجها المراسلة النصية، لا القرابة الطبيعية أو التعاقد السياسي المباشر. إن الإنسانية، بهذا المعنى، ليست فقط تقديرًا للآداب القديمة، بل تكنولوجيا رمزية لتوسيع دوائر الألفة بين البشر عبر وسيط الكتابة.

2. الدولة القومية بوصفها مجتمع قراءة

غير أن أهمية هذا التصور لا تظهر كاملة إلا عندما ينتقل سلوتردايك من المستوى الثقافي إلى المستوى السياسي. ذلك أن الدولة القومية الحديثة لم تكتفِ بالإفادة من القراءة كأداة للتعليم، بل جعلت منها آلية لتوحيد السكان رمزيًا. لقد تشكلت الأمم الحديثة، في قسم معتبر من تاريخها، بوصفها جماهير قراءة أُخضعت للكلاسيكيات الوطنية، ولمنطق المدرسة الإلزامية، ولشكل مخصوص من التربية الأدبية. بذلك لم تعد القراءة مجرد كفاءة، بل غدت تقنية لبناء الرابطة المتخيلة بين المواطنين، وإدماجهم في سردية قومية واحدة.

3. البعد الفسيولوجي للقراءة

واحدة من أكثر النقاط راديكالية في أطروحة سلوتردايك هي إبراز البعد الفسيولوجي للقراءة. فالتعليم الأدبي لا يشتغل على الذهن فحسب، بل على الجسد أيضًا: الجلوس الطويل، السكون، تثبيت الانتباه، كبح الاندفاع الحركي، وتعليم الجسد كيف يتحول من طاقة برية إلى ذات قابلة للضبط. بهذا المعنى، يمكن فهم القراءة باعتبارها ممارسة مزدوجة: إنتاجًا للمعنى من جهة، وتأديبًا عصبيًا وجسديًا من جهة ثانية. إن ما تسميه النزعة الإنسانية “تهذيبًا” يمكن قراءته هنا بوصفه أيضًا ترويضًا.

4. الكتاب في مواجهة المُدَرَّج

ومن أجل تدعيم هذه الفرضية، يستدعي سلوتردايك مقابلةً نموذجية بين الكتاب والمدرج الروماني. ففي حين كانت ألعاب الدم الرومانية تشتغل باعتبارها وسيطًا جماهيريًا لإطلاق الغرائز وتغذية التوحش، ظهرت القراءة بوصفها الشكل المقابل: انسحابًا من الفرجة، وتهدئة للانفعال، وتربية على التأمل. إن الإنسانية، في هذا المستوى، ليست إلا مقاومة تاريخية مستمرة لعودة الوحشي في الإنسان. ولهذا فإن موضوعها الضمني هو، في جوهره، إخراج الإنسان من حالته الوحشية.

5. انهيار السياج الأدبي

غير أن القيمة النقدية الحاسمة لهذا التحليل تظهر في تشخيصه للحاضر. فسلوتردايك يرى أن الشروط التاريخية التي سمحت للغة المكتوبة بأن تكون أداة رئيسية لترويض الإنسان قد انهارت. لقد أدت وسائل الإعلام الجماهيرية، ثم الشبكات الرقمية، إلى إضعاف الهيمنة الرمزية للكتاب، وإلى تفكيك ذلك “السياج الأدبي” الذي كانت النزعة الإنسانية تعتمد عليه. لذلك لم نعد نعيش، بحسبه، في مجتمع أدبي أو رسائلي، بل في فضاء ما بعد أدبي وما بعد إنساني، حيث فقدت النصوص الكلاسيكية كثيرًا من قدرتها السابقة على التهذيب والتأثير العميق.

6. من القراءة إلى الاصطفاء

هنا يطرح سلوتردايك السؤال الذي يمنح نصه طابعه الصادم: إذا كانت الإنسانية قد فشلت بوصفها مدرسة للترويض، فما الذي سيحل محلها؟ يجيب النص بإحالة هذا التحول إلى أفق الأنثروبوتقنية، حيث تنتقل عملية تشكيل الإنسان من مستوى القراءة والتثقيف إلى مستوى التدخل البيولوجي والتكنولوجي. ومن هذه الزاوية، يصبح الانتقال من القراءة إلى الاصطفاء علامة على تحوّل عميق في تاريخ السلطة على الإنسان: من تعديل الأفكار عبر النصوص إلى تعديل الكائن نفسه عبر الجينات والانتقاء والهندسة الحيوية.

خاتمة

إن القيمة الفلسفية لأطروحة سلوتردايك لا تكمن فقط في نقدها للنزعة الإنسانية، بل في كشفها لوجهها التقني الكامن. فالإنسانية لم تكن، في هذا المنظور، خطابًا عن الكرامة المجردة للإنسان، بل ممارسة تاريخية لإنتاج شكل معين من البشر: بشر قابلين للقراءة، وقابلين للانضباط، وقابلين للاندماج داخل نظام اجتماعي وسياسي مخصوص. وما يجعل هذا النقد حادًا اليوم هو أن انهيار الوسيط الأدبي لا يعني اختفاء الحاجة إلى التشكيل، بل ربما انتقالها إلى مستوى أكثر مباشرة وأشد خطرًا.

من هنا يمكن القول إن سلوتردايك لا يعلن نهاية الكتاب فحسب، بل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ تقنيات تكوين الإنسان. ومع هذه النهاية، ينفتح السؤال الفلسفي والسياسي الجديد: من يمتلك، في زمن التكنولوجيا الحيوية والخوارزميات، سلطة تعريف ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان؟ وهل نحن إزاء تحرر من أنظمة التهذيب القديمة، أم أمام انتقال إلى أنظمة أكثر عمقًا، لأنها لم تعد تكتفي بتأويل الإنسان، بل تتجه إلى إعادة صناعته؟

السابق
نيكولاس ميلان: السحر الرقمي والسحر الأنثروپولوجي. المانا في بناء الفعالية الطقوسية / ترجمة محمد أسليم