تمهيد
أعاد القرن العشرون، ولا سيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، طرح سؤال الإنسان على نحو جذري. لم يعد الأمر متعلقًا بتعريف نظري مجرّد لطبيعة الإنسان أو مكانته في العالم، بل أصبح سؤالًا حضاريًا ملحًّا فرضته كارثة تاريخية كشفت حدود المشروع الإنساني الحديث. فالمجتمعات التي قدّمت نفسها بوصفها حاملة للعقل، والتقدم، والثقافة، هي نفسها التي أفرزت أشكالًا غير مسبوقة من العنف المنظّم والإبادة الصناعية. ومن ثمّ، غدا من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت النزعة الإنسانية، بصيغتها الكلاسيكية، قد أخفقت فعلًا في تهذيب الإنسان وحمايته من إمكاناته التدميرية.
ضمن هذا الأفق، يكتسب الحوار غير المباشر بين مارتن هيدغر وبيتر سلوتردايك قيمة فلسفية خاصة، لأنه لا يقتصر على الاختلاف في تقييم النزعة الإنسانية، بل يمتد إلى إعادة تحديد معنى الإنسان نفسه. فبينما ينزع هيدغر إلى تفكيك الأساس الميتافيزيقي الذي قامت عليه النزعة الإنسانية الغربية، يذهب سلوتردايك أبعد من ذلك، حين يعيد تأويل تاريخ الإنسان بوصفه تاريخًا لتقنيات الترويض والتشكيل الذاتي. ومن هنا، يتخذ سؤال الإنسان صيغة جديدة: هل الإنسان كائن يُعرَّف انطلاقًا من انفتاحه على الوجود، أم انطلاقًا من قابليته الدائمة لأن يُنتَج ويُعاد إنتاجه تقنيًا؟
أولًا: ما بعد الحرب العالمية الثانية وأزمة النزعة الإنسانية
يصعب فهم رهانات نص هيدغر «رسالة في النزعة الإنسانية» من دون استحضار السياق التاريخي والأخلاقي الذي كُتب فيه. فالحرب العالمية الثانية لم تخلّف فقط خرابًا ماديًا هائلًا، بل كشفت كذلك عن أزمة عميقة في التصورات الحديثة للإنسان. لقد بدا، بعد أوشفيتز وهيروشيما، أن الثقافة والتعليم والفنون والعلوم، وهي كلها أدوات راهنت عليها أوروبا الحديثة من أجل الارتقاء بالإنسان، لم تمنع تحوّل الإنسان إلى أداة قتل منهجي.
في هذا السياق، جاء سؤال جان بوفري إلى هيدغر سنة 1946 تعبيرًا عن هذه الأزمة: كيف يمكن ردّ الاعتبار إلى مفهوم النزعة الإنسانية بعد أن بدا عاجزًا عن الوفاء بوعده الحضاري؟ غير أن جواب هيدغر لم يتجه إلى ترميم المفهوم، بل إلى زعزعة أساسه نفسه. فقد رأى أن المشكلة لا تكمن في عجز عرضي أصاب النزعة الإنسانية، بل في بنيتها الفلسفية العميقة، أي في الطريقة التي عرّفت بها الإنسان داخل التقليد الميتافيزيقي الغربي.
ثانيًا: نقد هيدغر للتعريف الميتافيزيقي للإنسان
ينطلق هيدغر من الاعتراض على التعريف الكلاسيكي للإنسان باعتباره «حيوانًا عاقلًا». فهذا التعريف، على الرغم من مركزيته في التراث الفلسفي الغربي، يظل في نظره تعريفًا قاصرًا، لأنه ينطلق من الحيوانية بوصفها القاعدة، ثم يضيف إليها العقل باعتباره خاصية مميزة. والمشكل هنا أن الإنسان يُدرَك، وفق هذا التصور، في أفق الكائن الحي القابل للتحديد والوصف والقياس، أي في أفق الأنطولوجيا التي تتعامل مع الموجود بوصفه موضوعًا للمعرفة والضبط.
بالنسبة إلى هيدغر، لا يمكن القبض على ماهية الإنسان انطلاقًا من علم الأحياء أو علم النفس أو حتى من التصنيفات الفلسفية الموروثة، لأن الإنسان ليس مجرد نوع من الموجودات داخل العالم، بل هو الكائن الذي ينكشف له الوجود من حيث هو وجود. ومن ثمّ، فإن خصوصيته لا تُختزل في امتلاك العقل أو اللغة بوصفهما ملكتين وظيفيتين، بل في كونه الكائن الذي يقيم في انفتاح على الكينونة.
من هنا نفهم دلالة العبارة التي صارت من أشهر عبارات هيدغر: الإنسان هو «راعي الكينونة». فالمقصود ليس تمجيد الإنسان أو رفعه إلى مرتبة سيادية، بل على العكس، تحريره من وهم المركزية الميتافيزيقية. الإنسان، في هذا المنظور، لا يملك الوجود ولا ينتجه، بل يقيم في جواره، وينصت إليه، ويصونه من الاختزال التقني الذي يحوّل كل شيء إلى مورد قابل للاستعمال.
ثالثًا: محدودية الجواب الهيدغري
على الرغم من القوة التفكيكية التي يتمتع بها نقد هيدغر للنزعة الإنسانية، فإن جوابه ظل عرضة لانتقادات عديدة. فالاعتراض الأساسي يتمثل في أن الإنصات إلى الوجود، والتخلي عن إرادة السيطرة، لا يقدمان بالضرورة جوابًا عمليًا عن المعضلات السياسية والتاريخية التي كشفت عنها الحداثة. فإذا كانت التقنية قد أعادت تشكيل العالم بالفعل، وإذا كانت البنى الحديثة للدولة والعلم والحرب قد أثبتت قدرتها على تحويل الإنسان إلى مادة للتدبير والإبادة، فهل يكفي أن نطالب الإنسان بالتواضع الأنطولوجي والانكفاء عن نزعة الهيمنة؟
بهذا المعنى، بدا موقف هيدغر، في نظر عدد من القراءات اللاحقة، أقرب إلى الانسحاب التأملي منه إلى مشروع نقدي قادر على ملامسة الشروط المادية والمؤسساتية التي تنتج العنف الحديث. ورغم أن هيدغر يلمس الجذر العميق للأزمة في النزعة إلى اختزال الموجودات كلها داخل أفق التحكم، فإن اقتراحه يظل رهينًا بلغة شعرية-أنطولوجية تفتقر إلى الوساطة السياسية والأخلاقية الضرورية.
رابعًا: سلوتردايك وإعادة تأويل النزعة الإنسانية
بعد أكثر من خمسة عقود، يأتي بيتر سلوتردايك ليعيد فتح هذا الملف من زاوية مغايرة في نصه «قواعد للحديقة البشرية». وهو يتقاطع مع هيدغر في نقطة جوهرية: النزعة الإنسانية، بصيغتها الكلاسيكية، لم تعد قادرة على أداء وظيفتها التاريخية. غير أن تفسيره لهذا الانهيار يختلف جذريًا.
فالنزعة الإنسانية، عند سلوتردايك، ليست قبل كل شيء تصورًا ميتافيزيقيًا للإنسان، بل هي جهاز تاريخي لترويض البشر. لقد قامت، منذ العصور الكلاسيكية وصولًا إلى الحداثة الأوروبية، على سلطة الكتاب والرسالة والمدرسة، أي على منظومة نصية-تربوية هدفت إلى إنتاج ذوات قابلة للتهذيب والتعايش المدني. فالقراءة، في هذا السياق، لم تكن مجرد فعل ثقافي بريء، بل كانت آلية لتأخير الرغبات، وكبح الاندفاعات، وإدخال الفرد في اقتصاد رمزي يضبط سلوكه.
ومن ثمّ، فإن سلوتردايك يقترح فهمًا أنثروبولوجيًا-تقنيًا للنزعة الإنسانية: لقد كانت هذه الأخيرة إحدى تقنيات تصنيع الإنسان الحديث. إنها لم تكن جوهرًا أخلاقيًا خالدًا، بل مرحلة تاريخية من مراحل التشكيل البشري، ارتبطت بهيمنة الكتاب المطبوع وبالسلطة التأديبية للثقافة الكلاسيكية.
خامسًا: من التهذيب بالنص إلى التشكيل بالتقنية
تكمن قوة طرح سلوتردايك في أنه ينقل النقاش من مستوى المبادئ إلى مستوى الوسائط. فالسؤال عنده ليس فقط: ما الإنسان؟ بل أيضًا: بأي الوسائل جرى إنتاج هذا الإنسان تاريخيًا؟ وحين يُطرح السؤال بهذه الصيغة، تغدو نهاية النزعة الإنسانية نتيجة لتحوّل الوسائط نفسها. لقد فقد الكتاب المطبوع مركزيته، وتراجعت معه أشكال الترويض التي كانت القراءة العميقة تتيحها. وهكذا، انهار النموذج التربوي الذي جعل من الأدب والفلسفة والعلوم الإنسانية أدوات لإنتاج المواطن المهذّب.
لكن ما يحل محل هذا النموذج ليس الفراغ، بل تقنيات جديدة لصناعة الإنسان. وهنا يظهر البعد الأنثروبوتقني في فكر سلوتردايك. فالإنسان، في نظره، ليس كائنًا طبيعيًا مكتملًا ثم تأتي التقنية فتفسده، بل هو منذ الأصل كائن يصنع نفسه عبر وسائط الاصطناع الذاتي. لقد أنتج نفسه بالتربية، واللغة، والعمارة، والطقوس، والمؤسسات، والكتابة، وهو اليوم يواصل هذا الإنتاج على مستوى أشد جذرية: مستوى البنية الحيوية نفسها.
سادسًا: الإنسان بوصفه «حيوانًا فاشلًا»
ضمن هذا الإطار، تكتسب عبارة سلوتردايك الاستفزازية، التي تفيد أن الإنسان «حيوان فاشل» أو «حيوان فشل في أن يبقى حيوانًا»، معناها الفلسفي. فهي لا تُقال على سبيل التحقير، بل على سبيل التشخيص الأنثروبولوجي. الإنسان كائن ناقص من الناحية البيولوجية، هشّ، غير مزوّد بما يكفي من أدوات البقاء الطبيعية، ولذلك اضطر إلى تعويض هذا النقص عبر الاصطناع. إن تاريخه ليس تاريخ تطور طبيعي مكتفٍ بذاته، بل تاريخ تعويضات متتالية.
بهذا المعنى، لا تكون التقنية نقيضًا للإنسان، بل شرطًا من شروط ظهوره نفسه. فالإنسان لم يخرج من الطبيعة إلا بقدر ما أعاد تشكيل نفسه داخل فضاءات مصطنعة: من البيت إلى المدينة، ومن المدرسة إلى الدولة، ومن النص إلى المختبر. ولذلك، فإن الانتقال الحالي من التربية الثقافية إلى التكنولوجيا الحيوية ليس، في تصور سلوتردايك، قطيعة مطلقة، بل امتداد راديكالي لمسار قديم من التشكيل الذاتي.
سابعًا: التكنولوجيا الحيوية وتحول سؤال الإنسان
غير أن هذا الامتداد يثير أسئلة أخلاقية وسياسية خطيرة. فإذا كان الإنسان قد دأب طويلًا على تهذيب نفسه عبر النصوص والمؤسسات، فإن التكنولوجيا الحيوية تفتح أفقًا جديدًا يتجاوز التهذيب إلى إعادة البرمجة. لم يعد الأمر مقتصرًا على تشكيل السلوك أو الوعي، بل صار يشمل إمكان التدخل في البنية الجينية ذاتها.
وهنا تحديدًا انفجر الجدل الذي أثاره نص سلوتردايك، خصوصًا مع يورغن هابرماس، الذي رأى في هذا المنعطف خطرًا على استقلال الذات الإنسانية وعلى المساواة الأخلاقية بين البشر. فحين يصبح الإنسان موضوعًا للتخطيط البيولوجي، يبرز سؤال السلطة بصيغة غير مسبوقة: من يقرر شكل الإنسان القادم؟ ومن يملك شرعية التدخل في شروط ظهوره الجسدي والعقلي؟ وهل يبقى الإنسان، بعد ذلك، ذاتًا حرة أم يتحول إلى منتَج؟
إن أهمية سلوتردايك لا تكمن في تقديمه برنامجًا سياسيًا جاهزًا، بل في إجباره الفكر المعاصر على مواجهة هذا التحول من دون أقنعة. لقد خرجت التقنية من طور الأدوات الخارجية إلى طور التدخل في الحياة ذاتها. وبهذا المعنى، لم يعد ممكنا الاكتفاء بنقد التقنية بوصفها خطرًا خارجيًا على جوهر إنساني ثابت، لأن هذا «الجوهر» نفسه أصبح ساحة لإعادة التشكيل.
خاتمة
يبيّن السجال بين هيدغر وسلوتردايك أن سؤال الإنسان لم يعد يُطرح اليوم ضمن الإحداثيات القديمة نفسها. فهيدغر كشف أن النزعة الإنسانية الغربية ظلت، في عمقها، أسيرة تعريف ميتافيزيقي يحط من الإنسان حين يختزله إلى كائن قابل للتمثل والتدبير. أما سلوتردايك، فقد أظهر أن هذه النزعة لم تكن فقط نظرية في الإنسان، بل كانت أيضًا تقنية تاريخية لترويضه، وأن أفولها يرتبط بانهيار الوسائط التي كانت تحملها.
وبين الموقفين، يتحدد أفق فلسفي جديد: الإنسان ليس مجرد ذات عاقلة، ولا مجرد راعٍ للكينونة، بل أيضًا كائن يُنتَج عبر أنظمة من التشكيل والاصطناع. وإذا كانت الحداثة قد بنت إنسانها عبر الكتاب والمدرسة والثقافة، فإن عصر التكنولوجيا الحيوية يضعنا أمام طور تتداخل فيه الأنثروبولوجيا بالتقنية على نحو غير مسبوق.
من هنا، فإن السؤال الذي يخلفه هذا النقاش لا يتعلق فقط بمصير النزعة الإنسانية، بل بمصير الإنسان نفسه. فحين يغدو الكائن البشري قادرًا على التدخل في شروط تكوينه البيولوجي، لا يعود السؤال: ما الإنسان؟ فحسب، بل يصبح أيضًا: أيّ إنسان نريد أن نصنع؟ وأي حدود ينبغي ألّا نتجاوزها ونحن نعيد كتابة الكائن الذي كنّا، إلى وقت قريب، نعدّه معطًى طبيعيًا أو قدرًا ميتافيزيقيًا؟




عذراً التعليقات مغلقة